فخر الدين الرازي
17
تفسير الرازي
شيء ما كان معلوم الوقوع ، أما لو كان معلوم الوقوع لم يكن بشارة ، ألا ترى أن الفقهاء قالوا : لو أن رجلاً قال من يبشرني من عبيدي بقدوم ولدي فهو حر ، فأول من أخبر بذلك الخبر يعتق ، والذين يخبرون بعده لا يعتقون . وإذا كان الأمر كذلك فقوله : * ( يبشرهم ) * لا بد أن يكون إخباراً عن حصول مرتبة من مراتب السعادات ما عرفوها قبل ذلك ، وجميع لذات الجنة وخيراتها وطيباتها قد عرفوه في الدنيا من القرآن ، والإخبار عن حصول بشارة فلا بد وأن تكون هذه البشارة بشارة عن سعادات لا تصل العقول إلى وصفها البتة . رزقنا الله تعالى الوصول إليها بفضله وكرمه . واعلم أنه تعالى لما قال : * ( يبشرهم ربهم ) * بين الشيء الذي به يبشرهم وهو أمور : أولها : قوله : * ( برحمة منه ) * وثانيها : قوله : * ( ورضوان ) * وأنا أظن والعلم عند الله أن المراد بهذين الأمرين ما ذكره في قوله : * ( ارجعي إلى ربك راضية مرضية ) * ( الفجر : 28 ) والرحمة كون العبد راضياً بقضاء الله وذلك لأن من حصلت له هذه الحالة كان نظره على المبلي والمنعم لا على النعمة والبلاء ، ومن كان نظره على المبلي والمنعم لم يتغير حاله ، لأن المبلي والمنعم منزه عن التغير . فالحاصل أن حاله يجب أن يكون منزهاً عن التغير ، أما من كان طالباً لمحض النفس كان أبداً في التغير من الفرح إلى الحزن ، ومن السرور إلى الغم ، ومن الصحة إلى الجراحة ، ومن اللذة إلى الألم ، فثبت أن الرحمة التامة لا تحصل إلا عندما يصير العبد راضياً بقضاء الله فقوله : * ( يبشرهم ربهم برحمة منه ) * هو أنه يزيل عن قلبه الالتفات إلى غير هذه الحالة ، ويجعله راضياً بقضائه . ثم إنه تعالى يصير راضياً . وهو قوله : * ( ورضوان ) * وعند هذا تصير هاتان الحالتان هما المذكورتان في قوله : * ( راضية مرضية ) * وهذه هي الجنة الروحانية النورانية العقلية القدسية الإلهية . ثم إنه تعالى بعد أن ذكر هذه الجنة العالية المقدسة ذكر الجنة الجسمانية ، وهي قوله : * ( وجنات لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبدا ) * وقد سبق شرح هذه المراتب ، ولما ذكر هذه الأحوال قال : * ( إن الله عنده أجر عظيم ) * والمقصود شرح تعظيم هذه الأحوال ، ولنختم هذا الفصل ببيان أن أصحابنا يقولون إن الخلود يدل على طول المكث ، ولا يدل على التأبيد ، واحتجوا على قولهم في هذا الباب بهذه الآية ، وهي قوله تعالى : * ( خالدين فيها أبدا ) * ولو كان الخلود يفيد التأبيد ، لكان ذكر التأبيد بعد ذكر الخلود تكراراً وأنه لا يجوز . * ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَنَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى